صالح مهدي هاشم

55

المشهد الفلسفي في القرن السابع الهجري

الخليفة الناصر لدين اللّه ستراتيجي في تفكيره ، يربط كل الإحداث وجزئياتها في مشروعه الكبير ذلك . . ونعني به الدفاع عن بيضة الإسلام ، والذود عن حياض الدولة العباسية ، بعيدا عن وصاية أعدائها ، ذلك مع عدم التقصير في الواجبات الاجتماعية والشؤون الداخلية وحياة المواطنين ، ضمن جهاز ضخم ، هو جهاز البريد والطلائع والفتوة ، هذا الجهاز الذي تمكن ان يزرع له الاتباع في قصور الملوك والسلاطين ، ويجد السند في بيوت القادة والمتنفذين ، يرعب شارع العدو ، ويفل سلاح الفرسان . . . الباحث وهو يدرس الخليفة الناصر وجده يعيش هاجس هذا الجهاز ليل نهار ، يعاونه قادة أخيار صارت لهم على مر الزمن الخبرات المتراكمة ، والقدرات المتعاظمة على حماية الدولة من كل سوء ، مكنوا الخليفة ان يرى العالم من حوله وبمجمله مرة واحدة . . « 1 » حتى باتت الناس تحكي عنه أشياء غريبة أذهلت الخاص والعام ، منهم على سبيل المثال لا الحصر المؤرخ الكبير ابن كثير نفسه ، يروى عنه أشياء : ( من ذلك أنه كان يقول للرسل الوافدة عليه فعلتم في مكان كذا ، كذا وكذا وفعلتم في الموضع كذا ، كيت وكيت حتى ظن بعض الناس أو أكثرهم انه كان يكاشف أو ان جنيا يأتيه بذلك . . ) « 2 » وبالتأكيد ما كان الخليفة الناصر يكاشف ، وما كان يتعامل مع الجن ، بل كان يتعامل مع زمرة من الشباب الصالحين ومن طلائع الإسلام ، ورجال المهمات الصعبة ، رجال أفذاذ سهر على تدريبهم الليالي ، وأعطاهم جل وقته وعقله ، والمرجح ان ولي عهده الظاهر ما كانت له تلك القدرات وما كان له الاستعداد لاستيعاب هذا المشروع الكبير الفعال الذي جعل بين يدي الخليفة أخبار الأمم ، ومنع إخباره عن الأعداء ، وقلما يتمكن جاسوس من أن يخترق جهازه الأمني

--> ( 1 ) الذهبي ، الاعلام . . . ج 23 ص 195 ( 2 ) ابن كثير ، البداية والنهاية ، ج 13 ص 107